أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

11

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وكان في بلد « الكش » شيخ يسمى « شمس الدين الفاخوري » « 1 » وهو معتقد تلك البلاد ، وعليه لكل قصد شيئا من أمر الدين والدنيا والاعتماد ، فذكر أن تيمور وهو فقير عاجز ، بين عز موهوم وذل ناجز ، لم يكن له سوى ثوب قطن ، وأنه باعه واشترى بثمنه رأس ماعز ، وقصد به الشيخ المشار إليه ، وعول فيما قصده عليه ، وقد ربط بطرف حبل عنق ذلك العناق ، وربق عنق نفسه بالطرف الآخر من ذلك الوثاق ، وجعل يتشحط على عصى من جريد ، حتى دخل على ذلك الشيخ المفيد ، فصادفه وهو والفقراء مشغولين بالذكر ، مستغرقين فيما هم فيه من الوجد والفكر ، فلازال قائما حتى أفاقوا من حالهم ، وسكتوا عن مقالهم ، فلما وقع نظر الشيخ عليه ، سارع إلى تقبيل يديه ، وأكب على رجليه ، فتفكر الشيخ ساعة ، ثم رفع رأسه إلى الجماعة ، وقال : كان هذا الرجل بذل عرضه وعروضه ، واستمدنا في طلب ما لا يساوي عند الله تعالى جناح بعوضة ، فنرى أن نمده ، ولا نحرمه ولا نرده ، فأمدوه بالدعاء إسعافا لما طلبه ، فأشبهت قضيته قضية ثعلبة ، ورجع من عند الشيخ وخرج ، وعرج بعد ما عرج إلى ما مرج ، وقيل إنه كان في بعض تحرماته ، فضلّ الطريق صوره ، كما ضلها معنى وسيره ، وكاد يهلك عطشا وجوعا ، وسار على ذلك أسبوعا ، فوقع في أثناء ذلك على خيل السلطان ، فتلقاه الجشاري باللطف والإحسان ، وكان تيمور ممن يعرف خصائص الخيل بسماتها ، ويفرق بين هجانها وهجينها بمجرد النظر إلى هيآتها ، فاطلع الجشاري على ذلك منه ، وأخذ علم ذلك عنه ، وزاد فيه رغبة ، وطلب منه دوام الصحبة ، وجهزه إلى السلطان مع أفراس له طلبها منه ، وأخبره بفضيلته وما شاهد عنه ، فأنعم السلطان عليه ، ووصى به الجشاري ورده إليه .

--> ( 1 ) - يعرف أيضا باسم شمس الدين كيلال ، ولعل عمر تيمور عندما لقيه كان قرابة الثانية والعشرين ، وعليه يكون اللقاء قد حدث ما بين 759 و 761 ه / 1358 - 1360 م ، انظر tha mongol Empire b y m . Prawdin ; London 1991 , pp 411 - 416 .